الحكيم الترمذي

96

كيفية السلوك إلى رب العالمين

كأنه أخذ بعروة الطاعات كلها فهو كالعامل بجميع الطاعات ، وهذه النية كلها للصادقين من أعمال اللّه يحتاجون إلى نية في كل أمر ؛ لأن قلوبهم مع الأشياء فيحتاجون أن ينووا إلى اللّه - تبارك وتعالى - عند مبتدإ كل أمر . وذلك ما جاء عن رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم أنه قال : « إنما الأعمال بالنيات » « 1 » . وقال : « لا عمل لمن لا نية له ، ولا أجر لمن لا حسنة له » « 2 » . وأصل النية من طريق الإعراب واللغة هو النهوض ، تقول : ناء ينوء : أي نهض ينهض ، وتفسير النية نهوض القلب بعقله ومعرفته إلى اللّه بقدر العقل ، والمعرفة بقدر القلب على السعي والطيران إلى اللّه ، والنيات على قدر طهارة القلوب وسعيها إلى ربها إلى تلك المراتب ، فإذا كان القلب في حبس النفس ، فإنه يحتاج إلي النهوض إلى اللّه عند مبتدإ كل أمر وهو الإرادة والقصد إليه ، فإذا نابت العبد نائبة كائنا ما كان فنواه وقصده وجد ذلك الغوث فيه موجودا ، وإنما يناله العبد على قدر مرتبته ، وإذا تخلّى العبد من حصار النفس ، فسار إلى اللّه ، وتعلّق به وحيي به فمحال أن يقال : نهض ؛ لأنه عبده ولا يحتاج إلى نيته ، فهو في كل أموره عند ربه ، فقد سقط عنه هذا النظر ، وهذا عنده محال بعد أن استقام قلبه للّه عبودة ، وقام بين يديه .

--> ( 1 ) رواه البخاري في صحيحه ، باب بدء الوحي ، حديث رقم ( 1 ) [ 1 / 3 ] ورواه أبو داود في سننه ، باب فيما عنى به الطلاق والنيات ، حديث رقم ( 2201 ) [ 2 / 262 ] . ( 2 ) رواه البيهقي في السنن الكبرى ، باب الاستياك بالأصابع ، حديث رقم ( 179 ) [ 1 / 41 ] . وأورده السيوطي في الدر المنثور وعزاه إلى ابن أبي الدنيا [ 1 / 533 ] .